Nov 26, 2018 8:19 AM
مقالات

نادي القضاة يمأسس نفسه والقضاء الأعلى يعترض

شق "نادي قضاة لبنان" بصعوبة مسيرة تثبيت نفسه كهيئة قانونية ومعنوية تتولى طرح القضايا التي تهم الجسم القضائي وتعزز استقلاليته، في مقابل تحفظ "مجلس القضاء الأعلى"، الذي يعد رأس السلطة القضائية ومرجعتيها، رغم ان حاملي لواء هذا المشروع يؤكدون انهم يحيون "نادي القضاة" الذي تأسس في عام 1969، وكان يحمل اسم "حلقة الدراسات القانونية" لكنه انتهى مع بدايات الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1975.

وتقدم اعضاء النادي بكتاب "علم وخبر" إلى وزارة الداخلية والبلديات في 28 نيسان 2018، (اي طلب رخصة إنشاء جمعية)، لكن الداخلية احالت الكتاب إلى وزارة العدل لإبداء الرأي، واحالته الأخيرة بدورها على مجلس القضاء الأعلى، الذي سارع إلى الاعتراض عليه، باعتبار "ان تشكيل بعض القضاة هيئة او كيانا او جمعية، اياً كانت المهمة التي تتولاها، يعد خرقاً لموجب التحفظ الذي يتحلى به القاضي".

ويضع "نادي القضاة" نصب عينيه مجموعة اهداف، ابرزها "إعلاء شأن السلطة القضائية، وتعزيزها وتطويرها وحماية مكتسباتها المادية والمعنوية، وحماية حق القضاة في إبداء الرأي والتعبير بما لا يتعارض مع القوانين، ولا يخرق مبدأ التحفظ". ويضم النادي عشرات القضاة العدليين والإداريين والماليين، ودخل طور التأسيس في شهر آذار 2017، على اثر حركة الاحتجاج والإضرابات التي لجأ إليها القضاة آنذاك، رفضاً لقرار الحكومة بإلغاء "صندوق تعاضد القضاة"، والتعامل مع القضاة كموظفين، لا سلطة دستورية مستقلة، ونجحت مساعيهم يومها بتراجع الحكومة عن قرار إلغاء صندوق التعاضد وبعض الامتيازات التي تشكّل اماناً اجتماعياً للقاضي وعائلته.

وتقابل خطوة اعضاء نادي القضاة، بتحرك معاكس لمجلس القضاء الأعلى، الذي وجّه رسالة إلى وزارة الداخلية، تتضمن شرحاً مفصلاً للأسباب الموجبة التي حمله على رفض إنشاء كيان مثل هذا، وامل بـ"عدم إعطاء هذا النادي (علم وخبر) كي لا تسبغ عليه الصفة القانونية او المؤسساتية". واكد مصدر مجلس القضاء الأعلى لـ"الشرق الأوسط"، "ان الاعتراض على مأسسة نادي القضاة، يأتي انطلاقاً من تخطي (مبدأ التحفظ) الذي لا يعطي القضاة حق التصريح ولا حق تأليف جمعية، او خلق جسم يختبئون خلفه، للالتفاف على مبدأ التحفظ، وهذا امر غير مقبول". ودعا المصدر كل القضاة إلى "الالتزام بالقواعد والأخلاقيات القضائية". اضاف "صحيح ان القضاء سلطة مستقلة، لكن هناك مادة في قانون القضاء العدلي، تحظّر على الموظفين إنشاء جمعيات، وبالتالي فالقضاة يخضعون لقانون الموظفين ويجب الالتزام بهذا القانون".

ورغم إدراك المنضوين في "نادي القضاة" لصعوبة مهمتهم ومشقتها، لكنهم لن يستسلموا لمشيئة إلغاء كيانهم، المهني البحت، الذي لا يرتبط بحزب او اي تكتل طائفي او سياسي. ويحاول اعضاء النادي تبديد هواجس مجلس القضاء، من خلال رسائل تشدد على ان نادي القضاة "ليس كياناً موازياً لمجلس القضاء الأعلى، بل يخضع لسلطته وللقرارات التي تصدر عنه". وعلمت "الشرق الأوسط"، ان "اعضاء نادي القضاة يتحفظون على كشف اسمائهم في هذه المرحلة حتى لا يكونوا عرضة للمساءلة والمحاسبة امام هيئة التفتيش القضائية، لكن الهيئة الإدارية للنادي لا تتردد في إصدار بيانات تحدد موقفها من اي حالة تشكّل انتقاصاً من دور القاضي ومن استقلاليته". ودائماً ما تركّز البيانات على ان النادي "ليس ضد مجلس القضاء الأعلى ولا يُشكّل اي انتقاص من دوره، بل هدفه تعزيز استقلالية السلطة القضائية، والتماهي مع مجلس القضاء، والعمل على مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع". ويركز البيان التأسيسي للنادي على ان مجلس القضاء لديه سلطات واسعة، تبدأ بتمثيل الجسم القضائي وإجراء التشكيلات القضائية، ولا تنتهي بالسهر على عمل المحاكم وحسن سير العدالة".

وبقيت تحركات النادي سرية لنحو سنة كاملة، ثم تطوّرت من مجرد حركة اعتراضية إلى هيئة قانونية مرخصة، ووصل صدى هذا التحرك إلى الخارج. وكشفت معلومات لـ"الشرق الأوسط"، ان نادي القضاة تلقى رسالة دعم من الاتحاد العربي للقضاة"، ورسائل تهنئة من نوادي القضاة في عدد من الدول العربية، كما تلقى دعوة للانضمام إلى الاتحاد الدولي للقضاة. ورغم امتناع اي من اعضاء نادي القضاة عن التصريح رداً على محاولة وأد تحركهم ومنع اتّساع عدد المنتمين إليه، اكد مرجع قانوني "ان احترام القاضي لواجب التحفظ امر ضروري"، لكنه اوضح لـ"الشرق الأوسط"، "ان انضواء مجموعة من القضاة ضمن هيئة قانونية او كيان معيّن من اجل الدفاع عن حقوق زملائهم، وتحقيق المكاسب المادية والمعنوية والاجتماعية للقضاة وعائلاتهم، لا يخرق واجب التحفظ". واشار المرجع القانوني إلى "ان التحفظ يعني عدم إعطاء رأي مسبق في معرض القضية التي ينظر فيها القاضي، او عدم إظهار انتمائه السياسي او الديني او الطائفي"، مذكّراً بأن "الدستور اللبناني ينص على مبادئ حقوق الإنسان، والحق بالتجمع وإبداء الرأي، مع اهمية الا ينسى المنضوون في النادي انهم قضاة". يذكر ان "مجلس القضاء الأعلى" هو ممثل السلطة القضائية الخاضعة لوصاية وزارة العدل، وتكون كل قراراته والتشكيلات والمناقلات القضائية التي يجريها، بالتشاور والتنسيق مع وزير العدل.

اما "نادي القضاة"، فهو عبارة عن جمعية ترأسها هيئة إدارية لديها هامش من حرية التحرك لجهة إصدار الخطابات والبيانات التي تدافع عن القضاة، من دون ان تكون مقيدة بوصاية السلطة السياسية.

لذا، فإن لا تعارض او تضارب بين عمل المؤسستين، لأن مجلس القضاء هو رأس السلطة القضائية وصاحب القرار فيها، وهو الذي يسهر على حسن سير العدالة، ويعين القضاة ويوزعهم على المحاكم والدوائر القضائية.

يوسف دياب-الشرق الاوسط

إخترنا لك

Beirut, Lebanon
oC
23 o