المركزية – أكد التحالف المدني البيئي في لبنان أن "بعد أحد عشر شهراً على قيام التحالف المدني البيئي، ومناشدة كل الأطراف على إحترام المبادئ العامة لحماية البيئة، وبعد كل ما حصل ويحصل من تهاون السلطات العامة في كل المجالات وتحطيم البيئة بكل الوسائل، ونحن نلاحظ غياب كامل للتخطيط الإستراتيجي على كل المستويات، حتى ولو وردت بعض العبارات الإيجابية في خطّة الحكومة، والتي تتناقض مع التصرفات والإلتزامات المنوّه عنها ضمناً".
ولفت في بيان إلى أن "فيما خصّ ملف المياه، وكل تأثيراته على البيئة العامة والمحيطة بالمواقع المعتمدة، لا سيّما السدود، يبدو لنا أن هذا الغياب، مقصود، بالتأكيد، للوصول إلى تحقيق المزيد من الصفقات.
ونحن نعرف تماماً كل حيثيات هذه الملفات، وبساطة المعالجة في كل منها، عندما تستند هذه الأعمال الى بُعد إستراتيجي تتبعه خطط تترجمه. فكل عمل سليم يجب ان يستند الى العلم فقط، العلم الصادق الذي لا يخضع لأية أوامر، بل يُحقّق ما تمليه عليه الأصول والمعايير فقط لا غير.
إذن، إن كنّا نريد المياه، فيجب علينا التوجه إلى مصادر متجددة لها وعدم التقوقع في شعارات، من مثل تعميم مبدأ السدود كحلّ وحيد، لأنّ المشاريع الضخمة كثيراً ما تكون فاشلة، مائياً ومالياً، والأمثلة عن ذلك صارت كثيرة..!!
فبالنسبة الى ما تحقّق من سدود على مساحة الوطن، لا بد من الإشارة إلى أن سد القرعون على نهر الليطاني، يشكل تجربة رائدة دمرتها طريقة التفكير الملوِّث الذي لا يحترم الموارد الطبيعية حيث السموم لا تزال تفتك بمياهه دون تحريك أيّ ساكن، فقد كان النهر الوحيد مع نهر العاصي اللذين يستحقان وضع كل الجهود لإنجاح إستثمار مياههما وري القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية وتوفير مصادر متجددة لمحيطهما، وإنتاج كهرباء نظيفة من جريان مياههما. ولسنا هنا في موقع اللفت الى ضرورة إستثمار المجاري كلّها في توليد طاقة نظيفة عبر إستخدام الميكروتوربين التي لا تحتاج الى كميات كبيرة من المياه لتشغيلها، مع العمل بكسب حركة التكرار.
أمّا في التطبيقات الأخرى، فقد ظهر جلياً وبدون أدنى شك، فشل الكثير من السدود الأخرى، من سدّ بريصا إلى القيسماني، فشبروح والمسيلحة وبلعه وبقعاتة كنعان وتلحق بهم جنة حتى آخر السلسلة، فمنها ما لا يجمع ماء، ومنها ما يهدر بالتسرب أكثر بكثير من المسموح حسب المعايير العلمية، ومنها ما هو معرض للتلوث... فبنظرنا نحن، تبقى المياه ثروة وطنية لا يمكن التفريط بها كُرمى لعيون بعض المتسلطين على البلاد والعباد.
أما في أمر ما يُسمى سد بسري لتخزين المياه السطحية الجارية في نهر بسري وتغذية بيروت الكبرى بها، ففيه العجب الأكبر، بدءاً من مبادئ الطبيعة، التي تفرض أن المياه في لبنان تذهب من الشمال إلى الجنوب، على الأقل، وإلا لماذا سُمّي النهر الذي يتجه شمالاً بالعاصي.!!! فكيف يريدون أن يضخّوا المياه من صيدا إلى بيروت، مع التستر بأول حجة "استراتيجية" يتلطون خلفها، تكمن في غيرتهم على بيروت وحقوقها، إذ يريدون توفير المياه الكافية لها... من مصدر مُرجّح انه لن يمكنه تجميع مياه في هذا التخزين الإصطناعي ولنحو 8 سنوات من أصل 10، بأكثر من "ثلث" حاجة بيروت الكبرى المُرتقبة في عام 2040، وذلك بعكس ما يدّعون.
علماً أن هذه الكميات، المُحتسبة كمُعدّل وسطي سنويّ، لن تُغذّي بيروت الكبرى بأيّ جزء منها، لأن الكميّة المُجمّعة في أحسن الأحوال، مُرتقبة أن تتوزع بين نسبة التَبَخُّر والتسرُّب الى جوف الأرض وحماية قعر البحيرة، إضافة الى كمية ثابتة لا يمكن التهاون فيها لتوفير إستدامة نهر الأولي وخدمة المناطق المجاورة على طول مساره، وتغذية الإقليم وجزين وضواحي صيدا وهكذا تُستهلك كل الكمية المجمعة من "هذا الثلث" إذا وُجد.
بالإضافة الى كل ما سبق ذكره، هناك عدم ملاءمة لإنشاء سدّ في موقع مرج بسري "الإنهدامي" نظراً لمخاطره الزلزالية وطبيعة أرضه الجيولوجية ذات الطبقات الصخرية الرملية والكارستية المتشققة بما يتضمّنها من فراغات كبيرة، ووجود إنهيارات وإنخسافات عديدة واضحة المغالم ضمنه، علماً أن هذا الموقع يحتوي على مخزن جوفي غنيّ جداً بالمياه الجوفية. وهذه العوامل مجتمعةً تُفقد هذا المشروع كل مقومات الجدوى البيئية والمائية والمالية وحتى الإقتصادية.
ويمكننا أن نعدد المراحل التي يجب أن يتعلمها القائمون على العمل، علّنا نصل معهم يوماً، إلى التفكير القويم في أمورنا العامة، فلا يجوز بعد، التراخي وتنفيذ غايات مقصودة خارج العلم وآدابه، فقط لتمرير صفقة أو قرض أو هبة.
فالخزينة خاوية، والديون والفوائد تأكل الأخضر واليابس، والمستفيدون يركضون للإستدانة لتنفيذ مشاريع غير مُجدية..!!
فموقع مرج بسري يصلح لكثير من النشاطات، خاصة الزراعيّة منها، إلا بناء سد للمياه او ما شابه.!!!
نعم، بيروت تحتاج إلى مياه، وهذا صحيح، ومعها ضواحيها أيضاً، من الجهات الثلاث (جنوباً وشرقاً وشمالاً) وهي كلها مناطق إكتظاظ من الدرجة الأولى، وهو أول أمر يبرهن غياب التخطيط الإستراتيجي في الأساس (أين اللامركزية..!؟).
ولتوفير المياه لبيروت وضواحيها، يجب وضع مشروع موازنة مائية حقيقية، تدخل فيها كل مصادر المياه المتاحة، والتي يمكن العمل على إيجادها (نتائج إعتماد المبادئ الخضراء) وهي تشكل إيرادات المياه الممكنة، وفي المقابل يتم رسم بيانات بالمصروف الذي تتطلبه هذه المناطق لتغطية الحاجات في كل من النشاطات التي تتوزع من الشرب والغسيل إلى الصرف الصحي والزراعة والسياحة... علماً أن بيروت محاطة بثلاثة أنهر كما تَعلَّمنا في الجغرافيا: نهر الكلب (الأطراف الشمالية)، ونهر بيروت (وسط المنطقة)، ونهر الدامور (الأطراف الجنوبية).
علماً أنّ المناطق الشرقية المُحيطة ببيروت الكبرى، تشكّل مخزناً جوفيّاً ضخماً وغنيّاً بالمياه الغزيرة والنقية المُتجدّدة بتسرب المياه اليها عبر طبقات الأرض الصخرية الكارستية.
في كل هذه العملية، لا يبدو مشروع سدّ بسري وتوابعه مفيداً لأن أرقامه تأتي صادمة قياساً بالحاجات المتوخاة منه، وهو لا يشكل إلّا عبئاً كبيراً على الشعب اللبناني، فنصف هذا الشعب سيدفع ثمن السد دون أي مردود له منه، والنصف الذي سيستفيد منه (ولو وهمياً) سيتكلف مضاعفة الكلفة التشغيلية دون أن يحصل، بالضرورة، على المرتجى.
أين الحكمة من هكذا تصرفات، هواة يتسلون بالناس فيضربون البيئة ويقطعون الأشجار، وآخرون يبحثون عن تعويض الضرر البيئي، حيث نقول لهم أجمعين: لا فائدة من التفكير في تعويض ما لا يُعَوَّض... فعندما يتمّ تدمير منطقة بأكملها وتحطيم التنوع البيولوجي فيها، وهو الذي يوفر الحياة عليها، لا يمكن على الآطلاق لهذه "الدولة المُدمّرة"، أن تعوض عن النقص الذي حصل، أو أن تُعيد التوازن البيئي بعد تدمير مكوناته. "الميت يستحيل إنعاشه".
إن قضية مشروع سد بسري تتناقض مع إستثمار عاقل للثروة المائية الجوفية. فقضية بسري ليست فقط قضية آثار ومواقع تاريخية ودينية، أو طبيعة جميلة وشلالات وشجر فحسب، إنما هي أكثر من ذلك بكثير، هي مساحة متكاملة تحتضن نمو إستراتيجي لمكوناتها - تربة، حشرات، عصافير وطيور، مياه (سطحية وجوفية)، أشجار مثمرة وأشجار تمتص كميات ضخمة من ثاني أوكسيد الكربون، بل هي أيضاً قضية إنسان ووطن بإمتياز.
فنحن نعتبر أننا بإعتراضنا على سد بسري نخوض حرب لحماية ثروتنا المائية الجوفية المتجددة المطلوب إستثمارها دوماً، من أطماع العدو الإسرائيلي.
ولذلك ننبّه كل من ينادي تضليلاً بضرورة تنفيذ سدّ بسري لتغذية بيروت الكبرى منه ومن بحيرة القرعون والتوابع، وهو مشروع فاشل أصلاً، ونسأله: كيف يضع هذا المشروع في إطار إستراتيجيّ وطني... فعن أيّ وطن من الأوطان يتكلّم...!!






