قبل ساعات قليلة على موعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء في السراي الحكومي، تبدو حكومة مواجهة التحديات أمام تحدي المحافظة على تماسكها بعد ظهور التباينات السياسية الواضحة داخلها، ما أسقط عنها "ورقة توت" الاختصاصيين والتكنوقراط، فيما سيكون على طاولتها امتحان نقاش ورقة الإفلاس المالي والسطو على ارزاق الناس.
ومع بروز مؤشرات على ان ثمانية وزراء على الاقل يرفضون ورقة الحكومة المقترحة، لو بالحد الادنى لديهم ملاحظات عليها، فإن رئيس الحكومة سيكون مجبراً على ابتكار موقفٍ لإخراج حكومته من ازمة أخرى، على غرار ابتكاره موقف سحب التعيينات المالية.
مصادر حكومية كررت عبر "الأنباء" القول إن الحكومة كانت مدركة لحجم المعارضة لمشروع "الهايركات"، ولذلك بررت موقفها بأن ما تناولته بعض وسائل الإعلام كان أقل من مسودة لا تعتمد "الهايركات" الا في المراحل الأخيرة، على أن تتم مناقشتها في جلسة اليوم، وأعادت توجيه الاتهام الى قوى المعارضة "بتضخيم الموضوع لمآرب سياسية لا علاقة لها بخطة الحكومة".
وعلى ضوء كلام المصادر الحكومية فإن مجلس الوزراء أمام خيارين "إما ارجاء البت بالخطة لمزيد من المشاورات مع الفريق المعارض لها من داخل الحكومة، أو اللجوء الى تجميدها أسوة بكل المشاريع التي جرى ترحيلها بسبب الخلافات حولها ضمن الفريق الواحد".
عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم جديد بدوره في اتصال مع "الأنباء" موقف الكتلة ورئيسها نبيه بري المعارض لـ"الهيركات"، ودعا الى "تناسي هذا المشروع لأنه ممنوع المسّ بأموال المودعين، والذهاب للبحث عن حل للأزمة بغير مكان".
مصادر نيابية في كتلة "المستقبل" استغربت في اتصال مع "الأنباء" الذهاب الى ودائع المواطنين وترك مزاريب الهدر والسرقة، سائلة: "أين خطة الحكومة لاسترجاع حقوقها من الأملاك البحرية والنهرية المصادرة من قبل قوى سياسية معروفة؟ وأين خطة الحكومة في مراقبة التهريب في المرفأ الذي أصبح أشبه بمغارة علي بابا؟ بالإضافة الى كل المعابر البرية الممتدة على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بما فيها المعابر الشرعية وغيرها من عشرات المعابر غير الشرعية والمحمية من جهات معروفة؟".
في السياق عينه، أكدت مصادر تيار المردة عبر "الأنباء" رفضها المساس بودائع المواطنين، مشددة على ان هذا الموقف "مبدئي وليس موجهاً ضد أحد".
واعتبرت ان أمام الحكومة خيارات يمكنها اللجوء اليها من دون مد اليد إلى ودائع الناس ولو على سبيل الاستدانة، لأن الحكومة في ظل هذه الاوضاع القائمة والأزمات المتلاحقة لا يمكنها الاستدانة من أحد قبل تسديد الديون المستحقة، فكيف لها أن تستدين من أموال المودعين؟
من جهتها، حاولت مصادر التيار الوطني الحر عبر "الأنباء" الدفاع عن رئيس الحكومة وعدم القبول بتوجيه ما وصفتها بالتهم إليه، لكنها بدت في حالة تراجع عن دعم الخطة حيث أعلنت عدم قبولها المساس بأموال المودعين، معتبرةً ان لا شيء يمنع الحكومة من استعادة الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج.
وفيما أكدت مصادر "الوطني الحر" دعم رئيس الجمهورية "الكامل" للحكومة، كشفت ان مجلس الوزراء سينتقل بعد الأعياد الى الخطة "ب" القائمة على استعادة الأموال المنهوبة والمهربة الى الخارج.
بدورها، مصادر حزب الله أكدت عبر "الأنباء" موقفه الثابت الرافض للمس بأموال المودعين، الا انها لم تنفِ ان قاعدة حزب الله هي الأقل ضررًا من هذا التدبير في حال تم اعتماده، لكنها قالت في المقابل إن الحزب "لا يمكنه إدارة الظهر إلى جمهوره وقاعدته الشعبية التي تمتلك ودائع في المصارف".
وإزاء هذا التمهيد الواضح لتراجع القوى السياسية المشاركة في الحكومة عن تبنّي خطة السطو على الودائع، وذلك بعد أن ظهر حجم الرفض الشعبي والنقابي والسياسي لها، فإن الفئات التي يستهدفها مشروع الحكومة إذا ما تم تطبيقه، لن تتخلى عن نيتها التحرك بمختلف السبل المتاحة لمنع اقرار هذه الخطة بحال تم تمريرها داخل مجلس الوزراء عبر "تهريبة" ما. وعلمت "الانباء" ان قطاعات المهن الحرة في عدد من الاحزاب السياسية المعارضة وحتى الموالية ستعقد اجتماعاً بهذا الخصوص اليوم لدرس الموقف وخطوات التحرك.
الى ذلك أوضحت مصادر مالية عبر "الانباء"، أن رئيس الحكومة حين حاول تحييد بعض الفئات من المودعين عن مواجهة خطته بقوله إن 90 بالمئة من الودائع لن يتم المس بها، فهو أشار ضمناً إلى أن الهايركات سيطال الـ10 بالمئة المتبقية من المودعين، وهم المغتربون اللبنانيون، إضافة إلى أصحاب المؤسسات والشركات والمصانع والمعامل والفنادق ورجال الأعمال. وعليه أكدت المصادر المالية أن الهايركات بهذه الحالة سيستهدف كل أصحاب القدرة على الاستثمارات، ما سيشكل ضربة قاسية لأي احتمال لنمو الاقتصاد اللبناني.
سقوط الخطة: من جهتها، افادت "النهار" ان المعطيات التي اتّضحت عقب موجة الرفض الواسعة التي شهدتها الأيام الأخيرة لاعتماد عمليات "هيركات" او أي مس بالودائع في المصارف، تشير الى ان الحكومة لن يكون في قدرتها المضي قدما في نقاش الخطة الموصوفة بانها انقاذية ما لم تلجأ الى واحدة من خطوتين:
اما الإعلان بمنتهى الوضوح والشفافية اليوم عقب الجلسة وعلى لسان رئيس الحكومة ما يبدد نهائيا وفي شكل حاسم كل الشكوك التي أثارها التسريب المقصود الذي حصل لاقتراحات اعتماد الاقتطاعات من الودائع بما يهدئ موجات الرفض والحملات الحادة التي شنت على الحكومة، واما تصويب هذا الخطأ السياسي والمالي والإعلامي الفادح الذي ارتكبته الحكومة او جهات محددة فيها من خلال تصويب جدي وجوهري للخطة يعيد النقاش الى محاور بديلة ومجدية وإسقاط أي بحث من شأنه الإيحاء بان تعويض الإفلاس والانهيار سيأتي من طريق التضحية تكرارا بحقوق اللبنانيين البديهية. والحال ان تراجع الحكومة او اضطرارها الى إعادة تصويب النقاش الحكومي الداخلي والنقاش العام حول خطتها المالية لم يعد امرا احتماليا وانما تمليه أولا موجات الرفض السياسية والشعبية الواسعة لمسألة الاقتطاعات المالية من الودائع.
إنعاش تحالف ثلاثي: وثانيا لان الحكومة باتت تواجه وضعا داخليا شديد الهشاشة والاهتزاز عقب غسل معظم القوى يديها من تبعة الخطة وإعلان ابرزها مواقف رافضة لها. وثالثا لان المفاعيل السياسية لهذه الخطة وخصوصا في موضوع الـ"هيركات" أدت الى نشوء معالم إعادة التماسك والتنسيق وإنعاش تحالف ثلاثي للمعارضة أطرافه الرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب "القوات اللبنانية " سمير جعجع. وتفيد المعطيات المتصلة بالموضوع الأخير ان اتصالات وجهودا تجري لاحياء التحالف المعارض وتذليل عقبات سابقة باعدت بين الأركان الثلاثة او بين بعضهم وتحديدا الرئيس الحريري وجعجع، وان الفترة المقبلة ستشهد تسخينا لهذه الجهود نظرا الى الضغوط الكبيرة التي تملي إعادة ابراز وجود معارضة متماسكة. ولا يقتصر الامر على الابعاد الداخلية اذ ان أي رهان على مساعدات خارجية او دعم خارجي للبنان لن يكون مجديا ما لم تقم معارضة برفع الصوت الذي يحدث توازنا سياسيا ويجعل الخارج يقدم الدعم لئلا تصبح صورة السلطة الأحادية اللون مختصرة للوضع امام المجتمع الدولي. وقد جاء موقف لـ"حزب الله " امس على لسان نائبه علي عمار ليشكل مؤشرا جديدا من المؤشرات المثيرة للتوجس حيال امكان خضوع الحكومة لضغوط الحزب في الملف المالي والاقتصادي، اذ شن عمار هجوما شرسا على القطاع المصرفي وحاكم مصرف لبنان بلغ حدود شيطنته تحت ستار دفاعه عن ودائع الناس. وجاء ذلك في معرض مطالبة عمار الدولة بضرورة "وضع يدها على من استساغ ان ينال من ودائع الناس عبر جمعية المصارف او غيرها خصوصا اذا ما أضفنا اليها دورا شيطانيا لما يسمونه حاكما للمال في لبنان".






