Dec 05, 2017 3:01 PM
تحليل سياسي

"النأي بالنفس" اللبناني يولد بإجماع حكومي والعين الدوليــة ساهرة

المركزية- بأقل من ساعة رسميا، واكثر من اسبوع من المشاورات المكوكية العابرة للقارات، وبضمانات اقليمية ودولية نُسجت خيوطها بين المقار اللبنانية السياسية وحاكتها انامل رعاة التسويات الكبرى، أسدل الستار على آخر فصول ازمة "استقالة تشرين" وتريثها، وفتحت صفحة جديدة عنوانها العريض" التزام الحكومة اللبنانية بكل مكوناتها النأي بنفسها عن أي نزاعات أو حروب تضر بعلاقات لبنان السياسية والاقتصادية مع أشقائه العرب". واولى جرعات الدعم لتحصين التسوية الجديدة سيتلقاها لبنان يوم الجمعة المقبل في باريس مع انعقاد مجموعة الدعم الدولي للبنان، التي اعلنت وزارة الخارجية الفرنسية "ان رئيس الحكومة سعد الحريري "سيلتقي الجمعة في باريس كبار مسؤولي المجموعة، من بينهم وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون الذين يريدون دعم العملية السياسية في لبنان بعد الازمة التي أثارتها استقالته المفاجئة قبل نحو شهر والتي عاد عنها اليوم."
وافادت ان "الهدف هو دعم العملية السياسية في فترة حساسة، وسيشكل ذلك رسالة للاطراف اللبنانيين ولدول المنطقة في الوقت نفسه".

والرسالة الفرنسية المعبّرة والمحظية برعاية دولية وغطاء اميركي، بما تختزن في مضمونها، كانت عبّدت طريق الحل اللبناني والزمت الاطراف كافة، بمن فيهم حزب الله، المعني اولا وأخيرا بالاستقالة ومفاعيلها، معطوفة على التطورات الاقليمية المتسارعة والتسويات السياسية لأزمات المنطقة التي فرضت وضع حدّ لحقبة النزاع العسكري وقلبت موازين القوى في بعض الساحات من سوريا الى اليمن، في حين بلغت الرسالة الدولية الثلاثية، وقوامها واشنطن وباريس ومصر مسامع المعنيين في الداخل والخارج، فارضة نفسها عنصرا ضاغطا للقبول بالتسوية، ومفادها ان اللعب بالاستقرار اللبناني ممنوع على اي كان وتجاوز الخط الاحمر خطيئة مميتة.

نص البيان: وكان مجلس الوزراء الاستثنائي انعقد ظهرا في قصر بعبدا خرج بعده الرئيس الحريري وتلا البيان الكامل، فنصّ على ان "مجلس الوزراء اكد باجماع المكونات السياسية الممثلة في الحكومة التزام البيان الوزاري قولا وفعلا وبخاصة بالفقرة التالية منه: ان الحكومة تلتزم بما جاء في خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من ان لبنان السائر بين الالغام لا يزال بمنأى عن النار المشتعلة حوله في المنطقة بفضل وحدة موقف الشعب اللبناني وتمسكه بسلمه الاهلي. من هنا ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاص المادة الثامنة منه مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي حفاظا على الوطن ساحة سلام واستقرار وتلاق. وستواصل الحكومة بالطبع تعزيز العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة والتأكيد على الشراكة مع الاتحاد الاوروبي في اطار الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. كما انها تؤكد على احترامها المواثيق والقرارات الدولية كافة والتزامها قرار مجلس الامن الدولي رقم 1701 وعلى استمرار الدعم لقوات الامم المتحدة العاملة في لبنان". وفي ضوء هذا التأكيد يقرر مجلس الوزراء الاتي: التزام الحكومة اللبنانية بكل مكوناتها السياسية النأي بنفسها عن اي نزاعات او صراعات او حروب او عن الشؤون الداخلية للدول العربية، حفاظا على علاقات لبنان السياسية والاقتصادية مع اشقائه العرب.ان مجلس الوزراء يجدد تمسك الحكومة باتفاق الطائف ووثيقة الوفاق الوطني لاسيما البند الثاني من المبادئ العامة التي تنص على ان "لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم بمواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم بميثاقها، وهو عضو في حركة عدم الانحياز. وتجسد الدولة اللبنانية هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء. ويتطلع مجلس الوزراء بناء على ذلك، الى افضل العلاقات مع الاشقاء العرب وامتنها، بروح الروابط التاريخية التي تجمع بين دولنا وشعوبنا. في النهاية، يشكر مجلس الوزراء رئيسه على موقفه وعلى عودته عن الاستقالة".

حزب الله: ووسط تساؤلات عن اسباب قبول حزب الله بالتسوية و"الرضوخ" لمبدأ النأي بالنفس عن الصراعات الخارجية الذي يخرقه بانخراطه في المعارك الجارية في اكثر من ساحة عربية، وكيفية تعاطيه مع المعطى الجديد الملزم، اعلن وزير الشباب والرياضة محمد فنيش لـ "المركزية" أن "البيان الحكومي يعبر عن موقف مجلس الوزراء مجتمعا ونحن موافقون على كامل بنوده"، لافتا الى أنه "لا يشكل بيانا جديدا بل موقف سياسي من مجلس الوزراء نتج من إعلان الاستقالة وتأكيد على البيان الوزاري الحالي، الذي يشكل خطاب القسم جزءا منه". واضاف: البيان يرتب التزامات على كامل أعضاء الحكومة"، مشيرا الى أن لم يكن من اعتراضات داخل مجلس الوزراء من قبل أي من الاطراف". وأكد أن "لا أزمة بين تيار "المستقبل" و"حزب الله"، حتى قبل إعلان الاستقالة"، مشيرا الى أن "طرفا آخر افتعل الازمة والكل يعرف من هو"، مضيفا "كان هناك سعي لتخريب هذه العلاقة، لكن في النهاية جرى احتواء الازمة بما يخدم مصلحة البلاد".

القوات: اما القوات اللبنانية التي حيكت قصص ونسجت اخبار عن عزلها سياسيا ومعاقبتها على "ما اقترفت في الرياض"، فأكدت عضو كتلتها النيابية النائب ستريدا جعجع لـ"المركزية" "ان "القوات" لم تكن بعيدة من "طبخ" التسوية الجديدة وان كان الامر لم يظهر بوضوح في الاعلام"، واعتبرت "ان التسوية بصيغتها التي اقرّها مجلس الوزراء اليوم انتصار لكل اللبنانيين، لانها تعزّز الاستقرار الداخلي وتُعيد الحكومة الى دائرة العمل بعد غياب استمر شهراً، وهذا ما كنا نطالب به كـ"قوات لبنانية". وقالت "ما حصل اليوم في مجلس الوزراء ضمانة لكل اللبنانيين ولتعزيز الاستقرار، لان التسوية الجديدة خطوة ايجابية جداً ومهمة لطالما كنا ننادي بها كحزب سياسي، ونحن مستمرون في الحكومة، لان ما اُقرّ انتصار لنا كـ"قوات"، وحيّت الرئيس الحريري، لان لولا "الصدمة الايجابية" التي احدثها بالاستقالة من الحكومة لما تحققت التسوية الجديدة".

رعاية وضمانات: من جهتها، قالت مصادر سياسية مراقبة لـ"المركزية" ان اذا كان اتفاق الطائف وإعلان بعبدا لم يجدا إلى التطبيق سبيلا، فإن ما جرى اليوم هو ذو أهمية مزدوجة. اذ، تؤكد مراجعة مضمون البيان الحكومي العودة إلى نصوص القرارات الدولية، التي تحمي لبنان، إلى جانب أنه يحظى برعاية دولية واقليمية للتنفيذ. لذلك لسنا أمام نص سيتم خرقه غدا. ذلك أن أمام حزب الله عقبتين أساسيتين: من جهة هناك تعهدات وضمانات خارجية، ومن جهة أخرى أصبح الحزب على دراية بأن أي تجاوز سيؤدي إلى استقالة. والأحداث المقبلة ستثبت أن الحزب سيواصل تراجعه المعلن بالتدخل في المنطقة، وسيبدأ بانسحاب تدريجي من دولها من دون إعلام كي لا يصور الأمر نكسة أمام قواعده الشعبية.

الحريري مرتاح: في غضون ذلك، عبرت كتلة المستقبل النيابية التي اجتمعت عصرا برئاسة الحريري في بيت الوسط عن الارتياح لقرار الرئيس الحريري التراجع عن استقالته وتمنت عودة سريعة لانتظام عمل الحكومة لمواجهة التحديات التي يواجهها لبنان.

القمة الخليجية: اقليميا، على وقع التطورات الدراماتيكية في اليمن بعد مقتل الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح امس "برصاص" الحوثيين، واستمرار الازمة الخليجية بين السعودية والامارات والبحرين ومعهم مصر من جهة وقطر من جهة اخرى، انطلقت اعمال قمة دول مجلس التعاون الخليجي في الكويت بدورتها الـ38 في حضور امير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وغياب لافت للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الذي كلّف وزير خارجيته عادل الجبير ترؤس وفد بلاده الى القمة، بعدما كان معوّلا على حضوره لتكون مناسبة لكسر الجليد مع الدوحة من خلال جلوسه على الطاولة نفسها مع اميرها. واكد امين عام مجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني "ان الوضع الصعب في المنطقة إضافة إلى التحديات الأمنية والسياسية يستدعي ترسيخ التضامن والوحدة بين الدول الأعضاء". من جهته، اعرب امير قطر لدى وصوله "عن امله في ان تُسفر القمة "عن نتائج تسهم في المحافظة على امن المنطقة واستقرارها وتحقيق تطلعات شعوبنا نحو توطيد التعاون والتضامن وبلوغ الأهداف المنشودة لمجلسنا"، مشيراً الى "ان القمة تنعقد وسط ظروف بالغة الدقة في مسيرة مجلس التعاون وفي ظل ما تواجهه المنطقة من تحديات".

مقالات مختارة

Beirut, Lebanon
oC
23 o